القرطبي
300
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة لايمانهم ، فهم إذ يصممون على الكفر ويرتبكون ( 1 ) فيه كأنهم انصرفوا عن تلك الحال التي كانت مظنة النظر الصحيح والاهتداء ، ولم يسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سماع من يتدبره وينظر في آياته ، " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون " ( 2 ) [ الأنفال : 22 ] . " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " ( 3 ) [ محمد : 24 ] . قوله تعالى : ( صرف الله قلوبهم ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( صرف الله قلوبهم ) دعاء عليهم ، أي قولوا لهم هذا . ويجوز أن يكون خبرا عن صرفها عن الخير مجازاة على فعلهم . وهي كلمة يدعي بها ، كقوله : " قاتلهم الله [ التوبة : 30 ] والباء في قوله : " بأنهم " صلة ل " - صرف " . الثانية - قال ابن عباس : يكره أن يقال انصرفنا من الصلاة ، لان قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم ، ولكن قولوا قضينا الصلاة ، أسنده الطبري عنه . قال ابن العربي : وهذا فيه نظر وما أظنه بصحيح فإن نظام الكلام أن يقال : لا يقل أحد انصرفنا من الصلاة ، فإن قوما قيل فيهم : " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم " . أخبرنا محمد بن عبد الملك القيسي الواعظ حدثنا أبو الفضل الجوهري سماعا منه يقول : كنا في جنازة فقال المنذر بها : انصرفوا رحمكم الله ! فقال : لا يقل أحد انصرفوا فإن الله تعالى قال في قوم ذمهم : " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم " ولكن قولوا : انقلبوا رحمكم الله فإن الله تعالى قال في قوم مدحهم : " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " ( 4 ) [ آل عمران : 174 ] . الثالثة - أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه صارف القلوب ومصرفها وقالبها ومقلبها ، ردا على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيد يهم وجوارحهم بحكمهم ، يتصرفون بمشيئتهم ويحكمون بإرادتهم واختيارهم ، ولذلك قال مالك فيما رواه عنه أشهب : ما أبين هذا في الرد على القدرية " لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم " [ التوبة : 110 ] . وقوله عز وجل لنوح : " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " ( 5 ) [ هود : 36 ] فهذا لا يكون أبدا ولا يرجع ولا يزول .
--> ( 1 ) ارتبك في الامر إذا وقع فيه ونشب ولم يتخلص . ( 2 ) راجع ج 7 ص 388 . ( 3 ) راجع ج 16 ص 245 . ( 4 ) راجع ج 4 ص 282 . ( 5 ) راجع ج 9 ص 29 .